أدب فن: كائنات الخيال كائنات الخيال ================================================================================ on 18/ 12/ 2007       فاروق يوسف *  بمنحوتاته يعيدنا هيثم حسن الى  (عصر البرونز)  فانشغاله بالمادة لا يقف عند حدود تهيئتها لتلعب دور الوسيط بين المحتوى والشكل. بل يتعدى ذلك الى اظهار قابليتها الكامنة على ان تمنح الشكل ضرورته، أي أن الشكل بقيمه الجمالية، والذي هو الهدف الأسمى للعملية الفنية لا ينفي المادة، بل يذكرنا بها ليس لأنه نتيجة من نتائج حيويتها. حسب، بل لان المادة تظل قائمة امامنا كما لو انها ما تزال تمتلك القدرة على الاستمرار في صياغة مصيرها الشكلي بطريقة افضل.     المادة بالنسبة لهيثم حسن ليست كيانا ميتا، أو كيانا تتوقف فاعليته بولادة الشكل بالرغم من ان هذا النحات،  بعد، لم يقطع صلته بالمحتوى. هذا المحتوى الذي يتطلب اظهاره الوصول بالحساسية الفنية الى اقصى مراحل رقتها، وجد في المادة فرصته لتأكيد انعتاقه من صلابة وجوده اليومي. هيثم حسن هنا لا يجرد المادة من صفاتها، بقدر ما يستجيب لها . مؤكدا نزعته الاصيلة التي تدفعه الى احترام المادة بل واعلان ثقته المطلقة بما يمكن الا تقود اليه من نتائج باهرة . بالرغم من ان مادته (البرونز) ليست من المواد المباشرة وهي بذلك تقدم لذة مضافة .هي لذة التوقع انها تضع النحات امام سؤال اساس.. هل ينتهي دوره مع اخر لمسة يضعها على النسخة الطينية، ليبدأ بعد ذلك دورها في تعريض العمل الفني المنجز لمتغيراتها. اعتقد ان النحات في هذه الحالة يتلقى النتائج بغم شديد وقلق يلوي قلقه الذي دفعه الى البدء بالعمل الفني، فضيلة مادة كالبرونز انها لا تضع نسخة من افكار النحات بل تذكره دائمآ ان اشكاله مهددة، وان هناك فعلا شكليا قابلا للتغير باستمرار. اذآ ثقة هيثم حسن  بالمادة،  ليست تعبيرآ عن محاولته للخنوع لما يمكن ان تؤديه نيابة عنه، بقدر ما هي تجسد لرغبته في تكريس المادة عنصرآ اساسآ في صناعة العمل الفني. يوهمنا هيثم حسن بالجسد في ارقى لحظات نشوته، فنظن باننا نقف ازاء درامه لاظهار الانفعال الانساني بابهته ولياقته الحسية، بينما هو في حقيقته يسعى الى انشاء علاقات شكلية لا تنظم وجودها على اساس ما تظهره، بقدر ما تشير الى ما تخفيه، او ما يقع امامنا.  يؤسس النحات هنا علاقة غامضة بين المشاهد وبين العمل الفني لا على اساس ما ينطوي عليه العمل الفني من قيم مضمونيه صريحة، بل على اساس ما تنطوي عليه هذه العلاقة من القياس وبالاخص على مستوى البحث في مغزى وجود القطعة الفنية  بيننا، خاصة وان هيثم حسن يعالج الجسد لا بمستوى وجوده الحسي الفاضح المريب في احيان كثيرة، بل بمستوى ما يتضمنه من قدرة على كتمان العواطف والمشاعر الانسانية وزحزحتها عن واقعها السطحي المبتذل والانتقال بها الى كيانها الاشاري الخالد.   تقنيا يعمل هيثم حسن في المنطقة الوسطى بين الرليف (النحت الجداري) وبين المدور بالرغم من ان اعماله توحي بانتمائها الى النوع الثاني، غير انها لا تؤكد ذلك الانتماء فعليا ولا تجسده هناك شعورا بالاكتفاء . ان لا نرى العمل النحتي من الخلف ان لا ندور حوله وبمعنى ان لا نقضي حاجتنا البصرية منه حيث يظل واقفا في مواجهتها ليحتل اكبر قدر ممكن من اهتمامنا وهو يخفي واحدة من جهاته. النحات هنا لا يضعنا ازاء مأزقه،  بل يوجهنا بعلاقة جديدة، هذه العلاقة تحتم علينا النظر الى بنية العمل النحتي مكتملة في نقصانها او في غياب احد ابعادها.  كفاءة البنية على تجسيد شعوره الشكلي هي ما يهم النحات وهو هنا انما ينصت الى الضرورات التي يحملها معه جوهر الشكل، هذا الجوهر الذي يظل في غيابه اكثر قدرة على الامعان في تكريس حضوره المهم.   ان هيثم وهو يطرح طريقة - وسط -  بين النحت الجداري والنحت المدور انما يستجيب لاكتفائه. بمعنى انه يضعنا امام المساحه المثاليه المجسده لانفعاله وهو بذلك يزودنا بطريقة جديدة لاختراق العالم بمشاعرنا وانفعالاتنا من غير الشعور بالحاجة الى النظر الى البخلف.  هذا النحات الجريء لا يضعنا امام درس عميق في مغزاه لاهمية ان نرى العالم من خلال عيني نحات حسب، بل انه يضغط في الاتجاه الذي يجعل فضاءات حياتنا موحشة اذا لم ترتفع فيها كائنات خياله.  .............. أرسل هذاالمقل من قبل النحات هيثم حسن