الرئيسية »  السيـنمـا»  لحظات أبدية

لحظات أبدية

عدد مرات المشاهدة :550 - 17/ 2/ 2010

هادي ياسين

لحظات أبدية

لا يكاد أحد أن يتحدث عن السينما السويدية ، الا و كان المخرج ( انغمار برغمان ) حاضراً في الذاكرة ، حتى و أن لم يُذكر اسمه . فهذا المخرج السويدي ( 1918 ـ 2007) الذي اخرج أول أفلامه في العام 1957 ، ظل ـ و ما يزال ـ حاضراً ، ليس في تاريخ السينما السويدية حسب بل السينما العالمية أيضاً ، منذ الستينيات و حتى اليوم ، فغطت شهرته العالمية و سطوع نجمه كمخرج سويدي ، على جميع أسماء المخرجين السينمائيين السويديين ، على الرغم من رفعة مواهبهم و رقي أفلامهم . و من هؤلاء أحد اهم مجايليه المخرج البارع ( جان تروول ) مخرج فيلم ( لحظات أبدية ) الذي ترشح كأفضل فيلم أجنبي لأوسكار 2009 ، و صُنف في مقدمة أفضل عشرة أفلام للعام ذاته . و هذا الفيلم هو آخر أعمال هذا المخرج الدؤوب ، الذي مازال يواصل عمله السينمائي على الرغم من اقترابه من سن الثمانين . و قد يكون ( جان تروول ) مجهولاً لدى الكثيرين ، و خاصة في البلاد العربية ، ولكنه مخرج عرفته هوليوود منذ فترة السبعينيات عندما أخرج لها فيلمين لفتا اليه الأنتباه ، هما : ( المهاجرون ) و ( عروس زندي ) .

filmو بالترافق مع ترشيح فيلم ( لحظات أبدية ) للأوسكار ، و تصنيفه كأفضل فيلم للعام 2009 ، فقد حظي بثناء النقاد و الصحافة العالمية عليه ، فترك بصمة ايجابية ليس في سجل المخرج حسب ، بل وفي سجل السينما السويدية أيضاً ، مما أعاد التذكير بها ، و أعادها الى منطقة الضوء ، في الأقل لدى النخبة السينمائية التي تتعامل مع فيلم كهذا باعتباره ايقونة ابداعية تصنف في خانة المُنتـَج الثقافي الجاد و العميق ، و ليس عملاً يهدف الى الولوج في سوق السينما من جهة الهالات الكاذبة التي تصنعها مافيات السينما لأفلام ٍ مبهرجة .

يستفيد الفيلم من قصة حقيقية، وهي قصة امرأة سويدية ( ماريا ) تفوز ذات يوم بآلة كاميرا ، و تحتفظ بها لفترة طويلة ، حتى جاءت الحاجة الى بيعها لمواجهة الظرف العائلي الصعب الذي يكون الإحتفاظ، حياله، بكاميرا.. ضرباً من البطر. ولكن صاحب استوديو التصوير المصور بيدرسن ( جيسبر كريستنسن ) ينصحها بالإحتفاظ بها ، ويشجعها على استخدامها ، بل و يعلمها طريقة الإستخدام ، فضلاً عن تزويدها ببعض ألواح التصوير التي كانت تـُستخدم في ذلك الوقت ، حيث تبدأ أحداث الفيلم في العام 1907 . . ومن هذه النصيحة ، يبدأ التطور الدرامي في حياة هذه المرأة ( ماريا هييسكانن ) التي ستجد في كاميرتها تعويضاً و وسيلة قوة ٍ في مواجهة ظرفها النفسي الصعب الذي يسببه لها زوجها سيغموند ( مايكل بيرسبراند ) ، والظرف الإقتصادي القاسي لعائلتها ، فضلاً عن الظرف الإجتماعي الصعب الذي كانت تعيشه المرأة السويدية في ذلك الوقت، والذي لم تكن قد حصلت فيه على حقوقها، بعد .

film1يبدأ الفيلم بحديث راوية ٍ تخبرنا بأن أمها كانت قد فازت بكاميرا في احدى المسابقات بعد اسبوع من تعرفها على ( سيغموند ) ، الذي اعتقدَ بأنه سيكون مشاركاً في ملكية الكاميرا لأنه كان مساهماً في شراء البطاقة الفائزة ، ولكن ( ماريا ) تشترط عليه أن يتزوجها أولاً كشرط لقبول مشاركته في ملكية الكاميرا . وعلى هذا الأساس تم زواجهما . هذه الراوية هي بنتهما ( مايا ) ، و يعتمد السيناريو على روايتها للأحداث على مر مراحل حياتها ، مما يقدم صيغة منطقية و مقبولة لتطور دراما الفيلم . ولقد تعاقبت ثلاث فتيات ممثلات على الإضطلاع بدور ( مايا ) الراوية ، وهن : ( كاللين أورفال : للمرحلة من سن الثامنة حتى العاشرة ) . ( نيللي المغرين : للمرحلة من سن الخامسة عشرة حتى الثانية و العشرين ) . وأخيراً ( بيرت هيريبر ستون: التي تستمر روايتها حتى نهاية القصة ) .

العصب الرئيس الذي بات يتحكم في حياة ( ماريا ) يتمثل في سلوك زوجها ( سيغموند)، الذي يُعرف عادة ً بإسم ( سيغ ) ، وهو رجل وسيم ، ولكنه حاد الطباع ، يعاقر الخمرة باستمرار ، على الرغم من فقر حال العائلة التي تكاثر أفرادها . و كثيراً ما كان الرجل يُقاد الى المنزل مخموراً ، فبات يسبب للزوجة احراجاً ، بسلوكه ، أمام جيرانها و أهلها، وفوق هذا وذاك راح الرجل يخونها مع عاملة البار، وهذه الغانية هي التي تنبهه ، في حالة جذل ذات مرة ، الى صورة زوجته المعروضة ، كنموذج ، لدى استوديو المصور ( بيدرسن ) ، فيدخل الأستوديو محتداً ، ليأخذ الصورة عنوة ، ومن ثم يذهب كي يعنف زوجته بقسوةٍ يتوّجها بالضرب . ولم تعد ثمة حدود لمعاناة ( ماريا ) مع هذا الزوج ، ففضلاً عن التفاصيل المؤذية الكثيرة التي سببها لها ، فقد دخل السجن مرة بسبب مشاركته في إضراب عمالي ، و ترك مسؤولية العائلة على عاتقها وحدها ، ولكنها ـ على الرغم من ذلك ـ استقبلته عند باب السجن حين اُطلق سراحه ، وعادت معه و هي تتظاهر أمام الجيران بالمودة التي تجمعهما ، وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى وانخرط في صفوف المحاربين، عادت فتحملت مسؤولية العائلة لوحدها .. من جديد . وفي احدى حالات حنقها من تصرفاته معها ، تلجأ الى محاولة اجهاض نفسها عن طريق صعود الطاولة و القفز منها واعادة تكرار ذلك عدة مرات .

film2ويبدو أن مشكلة ( ماريا ) لم تكن محصورة في غياب الإرادة و الحرية والحقوق الشخصية التي تتمتع بها المرأة السويدية اليوم ، حسب، بل في التقاليد الإجتماعية العامة، ذاتها ، التي غيبت تلك الحقوق أصلاً و منحت الرجل ، في ذلك الوقت ، الحظوة الأولى والأكبر . هذا فضلاً عن الإلتزام الأخلاقي والعائلي الذي كانت ( ماريا ) مقيدة به شخصياً . ففي إحدى المرات ، تجد أن لا ملاذ لها من قسوة زوجها غير ابيها ، فتذهب اليه وعلى وجهها آثار كدمات أحدثها لها الزوج الأهوج ، لكن الأب يقول لها : (عودي الى بيت زوجك .. فليس لك غيره ، أما أنا فذاهب الى أمك) ، فتقول له : ( أمي ميتة ) . ولكنه لا يلقي بالاً لقولها ، دلالة أنه راحل ليلتحق بإمها .. أي: إعتمدي على نفسك ، فلم يعد لديك ظهير. وإذ تجد ( ماريا ) نفسها في مواجهة الحقيقة القاسية ، فأن هذه الحقيقة ذاتها توجد للكاميرا حيزاً في حياتها ، كي تمنحها بعض التعويض ، أو القوة الخفية الشفافة ، حتى و إن كانت على شكل تسلية ، و بذلك فأن هذه الكاميرا تحوز على دور لها في الفيلم إن لم نقل أنها اضطلعت ببطولة غير ظاهرة ، وتقاسمتها مع ( ماريا) . وهذا الدور ما كان ليبين أثره لولا رواية البنت ( مايا ) للأحداث ، و التي على الرغم من أن دورها لم يكن فاعلاً في العائلة في مواجهة الدور الرجولي القاسي للأب الذي هيمن ، بقسوة ، حتى على دور أخوتها الذكور ، إلا أن دورها الأساس قد تمثل في تخزين الأحداث في ذاكرتها ، ومن ثم سردها .. كما رسم السيناريو لها ذلك .

بعد سنوات، تعثر ( مايا ) على لوح تصوير لم يمسسه أحد ، تبين أنه يحمل صورة خاصة للأم (ماريا) ، وكانت قد التقطتها ـ ذات يوم ـ وهي جالسة أمام المرآة . وتقول (مايا): ( كانت هذه هي الصورة الوحيدة التي التقطتها أمي لنفسها ) . ثم تتساءل : ( لا أدري ما الذي كان يجعل أمي مرتبطة بأبي رغم كل ما عانته منه ) .. وتجيب : ( أعتقد إنه الحب ) .

إن فيلم ( لحظات أبدية ) ، بقدر ما يؤرخ فنياً لمرحلة من مراحل الحياة الإجتماعية في السويد مطلع القرن العشرين ، فأنه ـ ومن خلال صنعة سينمائية باهرة ـ يعيد تذكيرنا بالسينما السويدية التي تتسم ، عادة ً، بعمقها الفكري وبشاعرية طرحها . وربما كان هذا الفيلم إسقاطاً ـ أيضاً ـ لعلاقة المخرج ( جان تروول ) نفسه بالكاميرا ، فالمعروف عنه أن علاقته بها قد بدأت منذ أن كان في الرابعة عشرة من عمره ، كمصور هاو ٍ ، ثم تعمق ولعه بهذه الآلة مع تعميقه لتجربته الفنية الثرة ، الى درجة أنه يقوم بتصوير أفلامه بنفسه ، كما هو الحال مع فيلمه الجميل هذا: ( لحظات أبدية ).    

 

خاص "أدب فن"




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: