"ترومان شو"... عندما تصبح خصوصيات الانسان مستباحه
رانية عقلة حداد
تخيل انك محاط دون ان تعلم ب 5000 كاميرا ترصد كل تحركاتك، وان كل ما تفعله يشاهده ملايين البشر، هذا هو حال ترومان (جيم كاري) بطل الفيلم الامريكي "ترومان شو" اخراج بيتر واير.
رغم ان هذا الفيلم قد تم انتاجه قبل عشر سنوات في العام 1998، الا ان الموضوع الذي يتناوله يزداد اهمية مع الايام، لانه يتناول اولا وسائل الاعلام وتأثيرها على الناس، ثانيا اخلاقيات استخدام الكاميرا الخفية وتجربة تلفزيون الواقع، وخاصة اننا بدأنا في عالمنا العربي منذ سنوات قليلة التعامل مع هذه التجربة.
منذ ثلاثين عاما اي منذ ان كان ترومان جنينا في بطن امه، اصبح بطل البرنامج التلفزيوني الذي يحمل اسمه "ترومان شو"، وفي بث حي ومباشر على مدار الساعة بمساعدة 5000 كاميرا خفية تم زراعتها في كل مكان على الجزيرة، بالتالي باتت كل نفس وحركة من حركاته مرصوده عبر تلك الكاميرات، حتى مشاعره الخاصة، ليس هذا فحسب انما تم بناء هذه الجزيرة التي يعيش عليها خصيصا لهذه الغاية والناس الذين يعيشون عليها ويحيطون ب ترومان جميعهم جزء من التمثلية بما فيهم امه ووالده، باستثنائه ( ترومان) فهو الشخصية الوحيدة الصادقة والحقيقية التي تتصرف بعفوية دون علم منها بما يحدث.
تستمر حياة ترومان بالسير بهدوء وبساطة الى ان يظهر فجأة والده يمشي بين الناس ثم يختفي عندما يحاول اللحاق به، فمن المفترض ان والده قد مات غرقا منذ سنوات بعيده، عندما كان هو وترومان يبحران في قارب مما سبب لترومان عقدة من البحر، هكذا كان الامر بالنسبة لترومان، انما في واقع الامر هذه احدى التمثيليات التي صنعها خالق البرنامج ومخرجه كرستوف (ايد هاريس)، كي يخلق عنصر التشويق لدى الجمهور، وهو يتابع كيف سيتغلب ترومان على العقبات التي يضعها كرستوف امامه، الا ان ظهور الوالد هذه المرة سيشكل بداية نقطة انعطاف لدى ترومان يبدأ بعدها بتفحص من حوله عالم سبق وان وثق به، من ثم سيقوده هذا الى المعرفة التي ستجعله يتمرد على خالق البرنامج.
عدة عناصر وظفها المخرج من اجل تعميق الاحساس لدى المشاهد بالاستياء وبفداحة التلصص على حياة وخصوصيات الاخرين وجعلها مادة للتسلية، وكذلك ادراك تأثير وسائل الاعلام وسيطرتها على المشاهد، وذلك من خلال رسم شخصية ترومان على نحو يتسم بالبراءة وليس السذاجة لدرجة يتعاطف معها المشاهد، ومن خلال خلق المفارقة حين يصبح المشاهد شريكا بمعرفة حقيقية ما يخفى على البطل ترومان، واتخاذ بداية الفيلم صيغة وثائقية عبر اللقاءات التي اجريت مع بعض الشخصيات، مما يجعل كل ما يحدث يغلب عليه صبغة الواقعية، كل هذا تم ضبطه بحيث لا ينحى الفيلم بتجاه كوميدي انما تراجوكوميدي، حين يضحك المرء ألما وليس متعة وسخرية من الشخصية لان هذه الصيغة تدفع المشاهد في لحظات معينة لان يضع نفسه مكان هذه الشخصية كما في التراجديا، ولا يراها في موقع ادنى منه كما في الكوميديا.
من المشاهد الجميلة في الفيلم ذلك الذي يمثل لحظة من المفترض انها خاصة ب ترومان وحده، عندما دفعه الحنين لحبيبته الى ان يشكل صورتها من قصصات صور، لحظات خاصة به لكنها بواسطة وسائل الاعلام التي توفرها التقنية الحديثة اصبحت حياته وخصوصياته مستباحة فالجميع يراقبه في لحظاته هذه، وهناك مشهد اخر جميل في اللحظة الفاصلة بين الوهم والحقيقية عندما قرر ترومان ان يبحر بعيدا عن جزيرته الى الجزيرة التي اعتقد ان حبيبته تسكن عليها، حيث البحر والسماء الزرقاء الصافية الى ان ترتطم مقدمة قاربه بجدار يتخذ شكل السماء والافق فيثقبه، عندها يكتشف الوهم وكان هذا المشهد بمثابة لوحة تشكيلية سريالية بديعة.


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك