تصفح الأرشيف
الأولى السابق تشرين الثاني/نوفبمر, 2008 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  السيـنمـا»  مشاهد مختارة من افلام (3)

مشاهد مختارة من افلام (3)

عدد مرات المشاهدة :197 - August 19, 2008

رانية عقلة حداد

مشاهد مختارة من افلام (3)

مقدمات تأملية... "حياتي من دوني"   

  

  "هذه انت... العينان مغمضتان تحت المطر، لم تفكري يوما بانك ستفعلين شيئا كهذا، لم ترين نفسك هكذا من قبل... لا اعرف كيف ستصيفينه، كواحدة من هؤلاء الناس الذين يحبون النظر الى القمر، او يقفون ساعات يتأملون موج البحر، او الغروب... اظنك تعلمين عن اي نوع من الناس اتحدث، قد لا تعلمين، على اي حال انت تحبين ان تكوني هكذا، تقاومين البرد، وتشعرين بالماء ينساب عبر قميصك ويلامس جلدك، والشعور بالارض  تلين تحت قدميك، والرائحة وصوت المطر الذي يضرب الاوراق...، كل الاشياء التي تتحدث عنها الكتب التي لم تقرأيها... هذه انت، من كان ليظن ذلك... انت!!".    
  بهذا المونولوج الداخلي يبدأ المشهد الافتتاحي من الفيلم الاسباني (حياتي من دوني)  انتاج 2003،  للمخرجة (ايزابيل كويزت)، حيث ما نسمعه هو صوت البطلة آن (سارة بولي) وهي تكلم نفسها بينما الصورة مساحة بيضاء انبثقت من السواد، تستمر 7ثواني بعدها نتابع المونولوج مترافقا مع وجه آن في لقطة قريبة جدا مغمضة العينين تحت المطر المنهمر بشدة، ثم نتابع عدة لقطات قريبة متنوعة  ل تفاصيل آن.
اختارت المخرجة ان تبدأ الفيلم بتقديم عالم البطلة الداخلي، بعد تلك اللحظة التي عرفت بانها مريضة بالسرطان وانها ستموت عما قريب، الامر الذي سنعرفه لاحقا كمشاهدين، فتأخذنا آن معها على امتداد دقيقة ونصف هي طول المقدمة، في رحلة تأملاتها وحالتها الشعورية فلا نسمع شيء سوى صوتها الداخلي الممتزج بصوت المطر، فندرك منه ان هذه هي المرة الاولى التي تمنح فيها آن الفرصة لحواسها كي تستشعر الطبيعة، كي تغرف كل ما منعتها انشغالات الحياة من الاستمتاع به وادراكه، فالمعرفة باقتراب الموت جعلتها تقترب اكثر من الحياة ومن تقدير تفاصيلها، لذا ترخي ونرخي معها اذاننا لسماع صوت المطر، ونستشعر مع جسدها المطر المنساب من ملابسها، ومع قدميها ملمس الارض الذي يلين تحتهما، ومع انفها نشم رائحة التراب المختلطة بالمطر، تفتح عينها لتستمتع بجمال المطر وتغلقهما متأملة، فمحتوى الصورة ترجمة لما يقوله صوت آن، كما انه معزول عما حوله بحكم حجم اللقطات القريبة التي لا تظهر سوى تفاصيل جسد آن تحت المطر المنهمر، كوجه آن، يدها والساعة، جسدها، قدميها وهما تلامسان العشب اللين، وعينيها... مما يجعلنا على مسافة قريبة من آن ونختبر نفس تجربتها الشعورية، وتطلق معها حواسنا للاستمتاع وعقلنا للتأمل، دون ان تفقد هذه الاجزاء التفصيلة صلتها بالسياق الكلي لجسد آن، من خلال الانتقال الى لقطتين قريبتين متوسطتين تظهر جسد آن ومحيطها.
  كما لعبت عدة مفردات دورا في ايصال حالة آن النفسية غير المستقرة؛  سواء من خلال اهتزاز الكاميرا حتى في اللقطات الثابتة، او من خلال الكادر غير المتوازن الذي تحتل آن طرفه في اللقطتين القريبتين المتوسطتين الوحيدتين التي تم استخدامهما من ضمن المجموع الكلي لللقطات القريبة والقريبة جدا.
 حاولت الكاميرا المحمولة باليد ان تجعلنا نتعرف على آن ونحيط  بها من كل الجهات والزوايا، اذ تتحرك الكاميرا المحمولة يدويا في بعض اللقطات حول وجهها، او من جزء الى اخر في جسدها، او تقترب من وجه آن في اخرى، الا ان ذلك لا يؤثر على الايقاع الذي يتسم بالهدوء ويدعو للتأمل الذي يمنحه الزمن الطويل لكل لقطة الذي لايقل عن ثانيتين. 
  لتدرك قيمة الحياة عليك ان تفرد وقتا للتأمل، وتطلق العنان لحواسك كي تلتقط ما يسعها من متعة واختبار لاحاسيس مجهولة... هذا ما ادركته آن بعد ان اكتشفت انه ليس سوى اشهر قليلة تفصلها عن الموت، فاختارت كويزت الاسلوب التأملي الشاعري لتقدم لنا بطلتها آن، وهو الاسلوب الذي يتلائم مع مضمون الفيلم، اذ ان ليس الهدف تقديم معاناة مريض السرطان والامه الجسدية، انما الانسان الذي لا يفصله سوى بضع خطوات عن الموت، وهو يدرك تماما هذا، فماذا عساه ان يفعل قبل ان تتسرب الايام من بين يديه، ولتغدو تأملات آن دعوة الى الحياة للذين لا يدركون قيمة ما يمتلكونه بعد.


المؤلف: رانية عقلة حداد 


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
5.00
كتاب مجلة أدب فن