| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 |
"ماري الممتلئة نعمة"
رانية عقلة حداد
حين يعطي المرء مرغما ظهره الى وطنه
تمنح الحياة لبعض ابنائها الورود، وللبعض الاخر الاشواك، ومن هذا البعض الاخير كانت ماريا الفاريس (الكولومبيه كاتالينا مورينو) بطلة الفيلم الكولومبي "ماريا الممتلئة نعمة" انتاج 2004، والتي قدمها المخرج (جوشوا مارستون) كنموذج يمثل معاناة شريحة كبيرة من سكان دول امريكا اللاتينية، حيث الفقر وظروف الحياة الصعبة تقود عدد كبير من الفتيات -كماريا ذات السبع عشرة سنة- الى ان يصبحن (بغال) تنقل في احشائها الكوكاين الى الولايات المتحدة.
في ظل غياب فرص العمل لم يكن امام ماريا سبيل سوى هذا الطريق ان تعمل كبغلة، بعد ان اختلفت مع صاحب المصنع التي كانت تعمل لديه في نزع اشواك الورود، وتجهزها للتصدير، بالاضافة الى ان 5000 دولار هو اجر خرافي بالنسبة للوضع السائد، ويغري على ان يغامر المرء بحياته من اجله، ويخفف الحمل عن ماريا فهي المسؤولة عن اعالة امها وجدتها واختها وابن اختها الرضيع، بالاضافة الى نفسها وابنها التي تحمله في احشائها من صديق خيب امالها فهجرته.
بيوض ذهبية
واذ يرصد الفيلم رحلة ماريا الاولى والاخيرة في نقل الكوكاين، نختبر معها ذات المشاعر؛ الخوف، القلق، الضياع، كما نكتشف معها هذا العالم ومخاطره، وآلياته، وسير خط الانتاج من تغليف كبسولات الكوكاين، مرورا برش المخدر بالفم وغمس الكبسولة بشوربة لتسهل الانزلاق الصعب، الى اخذ حبوب المسهل الذي هو بمثابة الطلق من اجل ولادة كبسولات الكوكاين، الى تجميعها في اكياس بعد خروجها من الجسم، ولكن ماذا لو خرجت كبسولة من الجسم قبل اوانها؟ هذا الامر قد يكلف ماريا غاليا، فكل كبسولة من ال62 التي في امعائها هي اثمن من حياتها، لذا تسرع الى الحمام لتلتقف تلك البيوض الذهبية قبل ان تسقط في المصرف تغسلها ثم تعاود ابتلعها بعد ان تدهنها بمعجون الاسنان ليسهل انزلاقها، من خلال هذه التفاصيل الصغيرة يقودنا مارستون الى الشعور بالقرف، الالم، والتعاطف مع الشخصية، كي لا نلومها على اختيارها فهي ضحية، انما نلوم المسبب الذي دفعها الى هذا الاختيار.
بلانكا (ياني فيغا) صديقة ماريا الحميمة، ولوسي (جيوليد لوبيز) رفيقة المهنة التي تعرفت عليها منذ فترة بسيطة، كانتا معها على متن الطائرة المغادرة، يحملن ايضا في امعائهن الكوكاين، وتقتضي سرية العمل ان تبقى كل منهن على حدى، بالاضافة الى اخريات غير معروفات، يقبض على احداهن عند الوصول الى مطار نيويورك، وتشك الشرطة في ماريا لكن حملها ينجيها من التعرض لفحص الاشعة السينية ومن افتضاح امرها، بعد النجاة تأتي مرحلة تسليم البضاعة لافراد العصابة، وفي هذه الاثناء تموت لوسي بعد ان تنفجر احدى الكبسولات في امعائها، وهذه احدى المصائر المحتملة لهذا العمل، فتهرب ماريا وبلانكا خوفا من ايذائهما الى منزل اخت لوسي المقيمة في المنطقة، وبعد ايام من المعاناة تعودان الى افراد العصابة لتسليم الكبسولات واستلام نقودهما.
ومن اللحظات الانسانية الرقيقة في الفيلم تلك عندما ترفض ماريا ان تغادر عائدة الى كولومبيا، قبل ان تدفع اجرة نقل جثمان لوسي الى الوطن، والذي يكلف مبلغ طائل؛ نصف المبلغ الذي كسبته من هذا العمل، انما تدفعه وفاءا الى هذه الرفقة القصيرة الامد التي جمعتهما، بعد ان رفض ان يدفع افراد العصابة اجرة لوسي بعد ان مزقوا جسدها لاستخراج الكبسولات.
في المشهد الاخير من الفيلم ماريا وبلانكا في المطار تستعدان للعودة الى ارض الوطن، ونرى ماريا تحسس على صورة بالامواج الفوق صوتية لابنها الذي سيولد بعد اشهر، ملاصقة لبطاقة مراجعة العيادة، ولحظة تفكير في شكل مستقبل ابنها حين تعود الى كولومبيا، وفي اللحظة الاخيرة عند حاجز العبور تتراجع ماريا وتقرر بعزم البقاء وعدم العودة، وهذه من اللقطات المؤثرة حين يعطي المرء مرغما ظهره الى وطنه من اجل مستقبل وحياة لطفلها القادم افضل من حياتها ومن البؤس الذي تعيشه.
"ماريا الممتلئة نعمة" سبق وان رشح لجائزة الاوسكار، ونال ثلاثين جائزة دولية في مهرجانات عدة، ويحسب له اداء بطلته مارينو المميز على الرغم من انها غير محترفة، وكما ان المخرج يعرض قضية تهريب المخدرات باسلوب هادئ بعيدا عن المطاردات والاكشن والعنف، مركزا على الجوانب الانسانية، انما ينقل التوتر الى كاميرته المهتزة فهي غالبا محمولة باليد، لتنقل لنا احساس الشخصيات، ويضع امامنا اختيارات ومصائر مختلفة لشخصيات فيلمه.
يأتي عنوان الفيلم "ماريا الممتلئة نعمة" ليضفي سخرية اخرى من الحياة، فحياتها بعيدة عن النعمة وهي ممتلئة بالكوكاين، وان تعجز ماريا عن تغير واقعها في كولومبيا، لكنها ما زالت تمتلك بالحد الادنى ان تختار طريقا اخرى من اجل حياة افضل، بديلا عن الاستسلام الى ان تكون ضحية، والطفل الذي تحمله في احشائها هو الامل المنتظر ولادته والذي تتشبث به.







del.icio.us
Digg
قراءة في كتاب" ظاهرة الشعر الحديث" للدكتور أحمد المعداوي


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك