تصفح الأرشيف
الأولى السابق تشرين الثاني/نوفبمر, 2008 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  السيـنمـا»  العندليب.. متى تحتفي الدراما العربية بحياة

العندليب.. متى تحتفي الدراما العربية بحياة

عدد مرات المشاهدة :956 - November 04, 2006

ياسر عيسى الياسري

العندليب.. متى تحتفي الدراما العربية بحياة

ياسر عيسى الياسري 

وأخيرا ً وبعد معاناة انتهت حلقات مسلسل (العندليب) لمؤلفه (د. مدحت العدل) ومخرجه (جمال عبد الحميد) أقول معاناة لأن المسلسل أحتوى أطول مط وتطويل وصل إلى حد استخدام الأغنية كاملة في بعض الحلقات، والاعتماد على الأحداث السياسية التي جرت مرافقة لظهور وانطلاقة (عبد الحليم حافظ) الفنية ولا ضير في ذلك مادمنا نقر بأن الفنان العربي هو نتاج البيئة والمكان والوضع السياسي والاجتماعي السائد، وهذا الأمر أوقع العديد من الفنانين العرب بل وحتى العالميين منهم في فخ التبعية السياسية التي أثرت سلبا ً في أداء الفنان ولم تمنحه إلا بعض الايجابيات على صعيد الحصول على بعض الامتيازات التي تسهل عمل الفنان وتتيح قدرا ً من الحرية، وهذا ما قاله مسلسل العندليب بدون قصديه في الطرح لأن المؤلف حاول تجميل صورة جمال عبد الناصر وإظهاره بصورة المغلوب على أمره بسبب العلاقات الحميمة مع قادة الثورة، وكأنه غير مسئول عن ضياع الوحدة ولا عن هزيمة 1967 وإنما كان عامر وشمس الدين هم من أوصل البلاد إلى حافة الهاوية، ولعل القارئ يتسائل لماذا أتناول في مقالتي هذه الجوانب واترك العندليب، ولكن أقول ما جرى في المسلسل حلقات بأكملها لا يظهر فيها عبد الحليم إلا لبضعة مشاهد والأخرى خصصت بالكامل لجمال عبد الناصر وهو يدخن وهو يفكر وهو يبكي وهو يلعب مع أولاده وهو يتعامل بالحسنى والمحبة مع زوجته وهو يسير أمور البلاد وهو يناقش الخطط مع فريق مستشاريه وهو يصلي الفجر وهو يشرب قهوة الصباح وهو يفرح وهو يمرض وهو  يموت، كل تلك التفاصيل الدقيقة في حياة عبد الناصر الذي كان يحتضن عبد الحليم ويسنده فنيا ً، بل وحتى بوجه المشير عامر الذي كان يفضل أم كلثوم عليه، ويخيل للمتابع أن المسلسل عن حياة ناصر وليس عن العندليب. بل أنه في حلقات أنصف ناصر وأظهر حليم بمظهر الفنان العاجز المسنود من قبل رأس السلطة السياسية، فكلما واجهت حليم مشكلة تتعلق بفنه أتصل بمدير مكتب الرئيس ومن ثم تحل مشكلته عن طريق تدخل الرئيس، رغم أن معظم المصادر تشير إلى قوة شخصية حليم في مواجهة خصومه من جميع الأوساط وذلك لاستناده إلى رصيد جماهيري كبير جدا ً، وبالتالي فأن مؤلف المسلسل لم يوفق في تقديم شخصية حليم الفنان القوي المستند إلى فنه، وإنما المستند إلى علاقته الحميمة بعبد الناصر، حتى وإن اعتمد المؤلف على مصادر ذكرت ذلك فكان يجب عليه ان يتجاوزها لصالح أشياء أخرى كثيرة حفلت بها حياة حليم التي كان على ما يبدو آخر المحتفى بهم في هذا المسلسل الذي حمل وبشكل غير شرعي دراميا أسم مسلسل (العندليب).أما بالنسبة لاختيار الممثلين، فكان من المفروض أن لا يركز المخرج على مسألة الشبة الذي يصل إلى 100 % بين الممثل وبين الشخصية، مما ولد تباينا ً كبيرا ً في الأداء بين الممثلين المحترفين المحيطين بشخصية حليم، فعبلة كامل وكمال أبو ريه وشوقي شامخ أسهم في عدم بلورة ووضوح الأداء التمثيلي لعبد الحليم مما جعل التركيز على التشابه هو المخرج الوحيد من مطب انخفاض مستوى الأداء لشخصية حليم، ومما زاد في تدهور أمور التمثيل المبالغة في الماكياج وبشكل يقرب من الماكياج المسرحي الذي يهدف إلى إبراز ملامح الشخصيات لمتفرج المسرح، و لا ادري هل تناسى المخرج هذه الحقيقة ؟ . .  لا اعتقد ذلك ولكن على ما يبدو إن الماكياج كان جزءا ً من عملية أتمام خلق التشابه بين الشخصيات الأصلية والممثلين، كما إن اتكاء المخرج على الأغاني والتي وضعت لأسباب إنتاجية بحته في سبيل زيادة عدد الحلقات وترهل المسلسل إلى الحد الذي جعل المخرج (عبد الحميد) يعيد رسم نفس أجواء الأغاني ومنها ما كان ضمن أفلام كأغنية من فلم (الخطايا) أو فلم (أبي فوق الشجرة) وهنا لا يحسب أي جهد أخراجي وإنما إعادة لأفكار إخراجية لمن سبقوه من كبار المخرجين الذين عملوا مع عبد الحليم حافظ، إلا أن المخرج تخلص من هذا المط والتطويل في الربع الأخير من المسلسل فكان لديه طريقة إخراجية متميزة في معالجة معاناة الإبداع عند حليم وهو يقدم أغانيه إلى الجمهور، فكان هناك استعراض يتضمن الظروف التي نشأت فيها الأغنية من خلال الكلام واللحن ومراحل التسجيل وصولا إلى الجمهور من خلال الحفل أو التسجيل عبر عمليات انتقال مونتاجية تراوحت بين القطع السلس والمزج والقفز على الفترات الزمنية بطريقة خلاقة ساعدت حتى الممثل في تجاوز الكثير من الصعوبات الفنية في الأداء التمثيلي، وهنا أعزو الإخفاق في المعالجات السابقة إلى ضغوط إنتاجية ليس إلا  لا تخفى على أهل المهنة وهي ما تعاني منه الدراما العربية عموما ً والمصرية خصوصا ً فلا يوجد منتج يقبل بأقل من (30) حلقة وبعكسها تصبح عملية الإنتاج (خسرانه)، علما ً أن هناك قرار متخذ في قطاع الإنتاج في مصر بأن لا يتجاوز عدد حلقات المسلسل ( 17) حلقة ولكن بقي القرار حبرا ً على ورق وهذا ما يفسر ببساطة الحشو والمعالجات الإخراجية والتأليفية التي تقدم الكثير والكثير من المشاهد التركيبية، التي وإن ترفع لا تؤثر على تسلسل المشاهد العضوية التي يسبب رفعها خللا ً واضحا ً لا يمكن معالجته، وهكذا يجد المتفرج نفسه ضائعا ً بين أحداث لا تطور الشخصية و لا تقدم معلومات إضافية أو تساهم في دفع الأحداث إلى الأمام، إذ كل ما شاهدناه في العندليب وعلى مدى حلقات عديدة كان هناك سكون في تقدم الزمن  لا يفصح عن تقدمه إلا كارتات كتب عليها التاريخ، وفي الحلقات الأخيرة بعض الصبغة البيضاء على رؤوس بعض الشخصيات التي تقدم بها العمر وهكذا كان لأمر بالنسبة لشخصية (حليم) التي لم يحتفِ بها المسلسل على الرغم من أنها الشخصية التي من أجلها العمل، و أعلم السبب الذي يجعل من مخرجينا ومؤلفينا الابتعاد عن تجربة المخرج الكبير (محمد فاضل) في فلم (ناصر 56) الذي قدم جزءا ً مهما ً من حياة ناصر بغض النظر عن بقية أعماله التي ربما تكون بعيدة عن الدراما وتحكمها مواقف سياسية، ولعل قائل يقول إن السينما تختلف عن التلفزيون لأحتواءها على مهارات الإيجاز والاختصار ضمن عناصر اللغة المرئية التي يقدمها الخطاب الدرامي للسينما، ومع ذلك لا يعني هذا الأمر عدم قدرة التلفزيون على التعامل الدقيق مع الأحداث الدرامية وتوظيف مهارات الإيجاز السينمائي لصالح التلفزيون مادامت اللغة  المرئية واحدة، ولكن كما أسلفت أفسد الإنتاج جمالية التلفزيون  ولكن بحجة مقبولة مفادها عدم تمكن المنتجين من تغطية نفقات الإنتاج وأجور النجوم من الممثلين والتي أصبح بعضها فلكيا ًولعل هذا الأمر يفسر وجود عدد كبير من الوجوه الجديدة في مسلسل العندليب مع الكثير من ممثلي الصف الثاني وربما الثالث.وبعيدا ً عن الإنتاج نجد إن المؤلف لم يكن يهتم بجميع الشخصيات في حياة حليم، فلم يبرر لنا غياب كل من شخصيات كمال الطويل وصلاح جاهين والابنودي وبليغ حمدي على الرغم من أنها كانت مؤثرة وتلعب دورا ً مهما ً لا في حياة حليم الفنية بل والخاصة أيضا ً، مما خلق انطباعا ً بأن حليم كان شخصية نفعية يقرب من يحتاج إليهم ويبعدهم بعد انتفاء الحاجة إليهم مما أوقعنا في متاهة بناء شخصية حليم نفسها، فهي كما أسلفت لم تأخذ حقها في البناء بقدر شخصية جمال عبد الناصر والمشير عامر.

ونصل إلى ختام المسلسل في حلقته الأخيرة، وكم كانت لدي أمنية أن لا أشاهد نهاية حليم في لندن وعلى سرير الموت كما حصل مع أم كلثوم وكنت اطمع في معالجة أفضل لنهاية حياة عبد الحليم جسديا ً يبعدنا عن النهايات الميلودرامية والدموع والبكاء ومشاهد التشييع. نعم لقد أثارت نهاية عبد الحليم المشاهد، بل وبكى البعض وحدث التطهير الأرسطي للمتلقي ولكن بشكل معكوس، فهدف التطهير الأرسطي تخليص المتلقي من بعض المشاعر غير الصحية التي احتشدت في داخله  أثناء متابعته للدراما المعروضة من خوف وعواطف مكبوتة، بينما ولدت نهاية حليم نوع من الحزن على شخصية فنية غير اعتيادية فجرت شحنات من الحزن المكبوت لدى المشاهد العربي، وهو يعيش وضعاً مأسويا ً في العديد من بلدان الوطن العربي فلماذا نلجأ إلى مثل هكذا نهايات، وأقول آمنت بالله أن الموت حق على العباد ولكن موت الفنان ليس موتا ً جسديا ً فنحن إلى الآن نسمع حليم ونتفاعل مع أغانيه ونتابع أفلامه، بل ونشأ جيل جديد يتابع حليم أيضا ً فلم لا ينتبه المؤلف أو المخرج إلى مثل هكذا حقائق واضحة ومعالجة موت الفنان الجسدي بعيدا ً عن أسرة المرض والموت، فمتى تحتفي الدراما العربية بإبداع الفنان العربي بعيدا ً عن موته الجسدي واستدرار الدموع ومشاعر المشاهدين


المؤلف: ياسر عيسى الياسري 


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن